الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
186
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والنزع : الإزالة بعنف لئلا يبقى اتصال بين المزال وبين ما كان متصلا به ، ومنه نزع الثياب . والأعجاز جمع عجز : وهو أسفل الشيء ، وشاع إطلاق العجز على آخر الشيء لأنهم يعتبرون الأجسام منتصبة على الأرض فأولاها ما كان إلى السماء وآخرها ما يلي الأرض . وأطلقت الأعجاز هنا على أصول النخل لأن أصل الشجرة هو في آخرها مما يلي الأرض . وشبه الناس المطروحون على الأرض بأصول النخيل المقطوعة التي تقلع من منابتها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلا الجذوع الأصلية فلذلك سميت أعجازا . و مُنْقَعِرٍ : اسم فاعل انقعر مطاوع قعره ، أي بلغ قعره بالحفر يقال : قعر البئر إذا انتهى إلى عمقها ، أي كأنهم أعجاز نخل قعرت دواخله وذلك يحصل لعود النخل إذا طال مكثه مطروحا . ومنقعر : وصف النخل ، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخل دون عدد مدلوله خلافا لما في قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] وقوله : وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ [ الرحمن : 11 ] . قال القرطبي : « قال أبو بكر ابن الأنباري سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي « 1 » عن ألف مسألة من جملتها ، قيل له : ما الفرق بين قوله تعالى : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [ الأنبياء : 81 ] و جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [ يونس : 22 ] وقوله : أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] و أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ؟ فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا أو إلى المعنى تأنيثا » اه . وجملة كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ في موضع الحال من النَّاسَ ووجه الوصف ب مُنْقَعِرٍ الإشارة إلى أن الريح صرعتهم صرعا تفلقت منه بطونهم وتطايرت أمعاؤهم
--> ( 1 ) إسماعيل بن إسحاق بن حماد البصري فقيه المالكية بالعراق ، وقاضي الجماعة ببغداد ، توفي سنة 282 ه له « أحكام القرآن » .